الثلاثاء، 22 سبتمبر 2009

قراءة أولى في مسرحية هزار سالم شكري


مسرحية "هزار سالم شكري" من تأليف وإخراج "آية شموط" والتي حاولت جاهدة أن تسلّط الضوء على قضية اجتماعية إنسانية حساسة بعض الشيء لدى شريحة واسعة من الفتيات المسلمات الملتزمات بالدين من اللواتي بلغن سن الزواج حول كيفية اختيار شريك الحياة من ناحية وحول الضغط الذي قد يمارس عليهن من الأهل لئلا يفوتهن قطار الزواج.
هزار "هبة رمزي مغاربة" التي تعيش مع زوجها أشرف "هيا ناصر" المحامي العلماني الشهير ابن العائلة العريقة المرموقة المنغمسة في ملذّات الدنيا البعيدة كل البعد عن الدين والصلاة والعادات والتقاليد تعيش معه حياة الذل والمهانة فهي مجرد تحفة بالبيت وجدت لتخدمه وتخدم مزاجه ولا سيما انه لا يترك النارجيلة والكيف ولا يحترم إيمانها إنما يسخر به لأبعد الحدود ويجبرها على الخروج والسهر معه ومع أصدقائه وزوجاتهم حيث لا تخلو سهراتهم من المشروبات الروحية.
الرسالة التي اعتمدها المخرجة والفنانة آية شموط بحكمة النص والإخراج وبأداء فذّ للأدوار التي قدمتها الفنانات على المسرح، نجحت في الدخول إلى عقول وقلوب الحاضرين .. ولم تمنع حركات المحامي أشرف "وهبلنياتها" "هيا ناصر" من إيصال الرسالة، بل أن دورها زاد من إيضاح تخبطات شريحة من شاباتنا اللواتي ينتمون للدين الإسلامي الحنيف، باعتقادهم الساذج أن بعد الزواج ممكن أن تغير الزوجة من طباع زوجها التي نشأ عليها، بلمح البصر.
أمّ هبة "آية طايع" النموذج السيّء للأمهات التي كان كل همّها تزويج ابنتها لأشرف، يكفي انه من عائلة ثرية وانه محامٍ، لا يهم إن كان فاسدا وسيّء السمعة والأخلاق وعرف عشرات الفتيات والنساء.. المهم انه ثري سيدلل ابنتها وسيدفع مهراً كبيراً يليق بابنتها المدرّسة الملتزمة بالدين والتي جاء دورها ليسلّط الضوء على آفة تمييز المجتمع العربي وهي التركيز على الجانب المادي بكل شيء وعدم الاكتراث بالجانب الإنساني والخلقي متناسين أحكام الشرع والدين بما يخص مسألة اختيار شريك الحياة ففي حديث لرسول الله (ص): "إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوّجوه"
ولا ننسى طبعاً مشاركة الطفلتين ديالا شموط وآية مغاربة الرائعة.
ً اعتقد أن مسرحية هزار سالم شكري هي رسالة تعبّر عن مئات الرسائل التي كتبتها نساء مؤمنات إما بدموعهن وإما بدمائهن حول الحياة القاسية التي تعشْنها مع أزواج غير مؤمنين وبعدين عن الله والتي تنتهي غالباً بالطلاق أو الانهيار العصبي أو الانتحار التي قرأنا العديد منها في الصحف والمجلات إلا أن مسرحية هزار سالم شكري هي ملخص لكل تلك الحكايات والروايات.
مسرحية هزار سالم شكري هي تجربة رائدة فريدة ومميزة تقدمها فرقة صانعات الحياة للمسرح في الناصرة المكونة من فتيات من مرحلة الثانوية وما فوق والتي تعمل جاهدة ليل نهار بكدٍّ وبإصرار على نشر التوعية بين الشابات من خلال أعمال مسرحية هادفة وملتزمة عن طريق طرح القضايا الملحة الهامة وعلاجها. وحقيقة أقول أني استمتعت جداً في العرض الذي قدموه لدرجة ذرف الدموع وقد بتُّ على يقين أن هنالك أملاً في خلق مسرح نسوي ملتزم بفلسطين إن نحن أردنا هذا فعلاً.

السبت، 1 أغسطس 2009

فلسرائيل


التِـآمٌ


تعانقَ الصّليبُ والهلالُ معًا يومَ تكلّلَ حبُّهما بعقدٍ مقدّسٍ للأبدِ.
عرفوا أنَّ حياتَهم لن تكونَ سهلةً، لاسيّما أنّ ذويها متشدّدونَ لديانتِهم، فوالدُها عمدةُ كنيسةِ اللّوثريّينَ.
غادرا البلادَ المقدّسةَ إلى الولاياتِ المتّحدةِ، ومكثا هنالكَ خَمس سنواتٍ ونصف السّنة.
خلالَ تلك الفترةِ رُزقا بطفلةٍ جَميلةٍ، وقرّرا أن يعودا إلى ديارِهم،.
وكبُرتْ البنتُ وبلغتْ عشرينَ عامًا، وأحبّتْ زميلاً لها في الجامعةِ اتّضح لاحقًا أنّهُ ابنُ خالِها، فاعترضَ أعمامُها ضدَّ هذا الحبِّ، لكنَّ والدَها وقفَ لإخوانِهِ الرّجالِ بالمرصادِ قائلا: أنا لن أمانعَ أنْ ترتبطَ ابنتي بهِ.. وباركَ زواجَهم والتأمتِ العائلةُ مِن جديدٍ.

"فلسرائيل"—رانية مرجية



قبلَ سنةٍ مِن تاريخِ هذا اليومِ، أحدُ رفاقي السّابقينَ مِن الجليلِ الأعلى قرّرَ الانتقالَ للعيشِ في تل أبيب بسببِ لقمةِ العيشِ.
رفيقي هذا يَبلغُ الأربعينَ مِن عمرِهِ، ويُدعى فلسطين، وله ابنةٌ تُدعى بيسانُ، وابنٌ يُدعى غسّانُ، وحقيقةً، زوجتُهُ إنسانةٌ رائعةٌ أجدُها أقربَ مِن أختي إلى نفسي.
في بدايةِ الأمرِ سعدتُ جدًّا لقرارِهم، لاسيّما أن تل أبيب قريبةٌ جدًّا مِن الرّملةِ، ولكن بعدَ أيّامٍ مِن قدومِهِ، أصبحتْ فلسطينُ "إسرائيلَ"، وأضحتْ بيسانُ "شيران"، أمّا غسّانُ فباتَ اسمُهُ "شارون".
وفي البدايةِ حسبتُ أنّي أحلمُ، ولَم أستوعبْ ما فعلوه.. لكن "فلسرائيل" أخبرَني أنّهُ مِن أجلِ لقمةِ العيشِ، كانَ لابدَّ لهُ مِن تغييرِ اسمِهِ وأسماءِ أولادِهِ، لاسيّما أنّهم ينظرونَ إلى كلِّ عربيٍّ كإرهابيٍّ.
تَمنّيتُ أن.. تَـ ـنْـ ـشَـ ـقَّ الأرضُ وتـ ـبـ ـتـ ـلـ ـعَـ نـ ـي، قبلَ أن أسمعَ ما سمعتُهُ منه.

الجمعة، 31 يوليو 2009

مسحة الغفران





اشارتْ بسبّابتِها إلى بطنِها المنتفخِ، ونظرتْ إلى الكاهنِ، وقد اغرورقتْ عيناها بالدموع: أنا أحملُ بأحشائي سفّاحًا يا أبت.. جئتُ هنا كي أطلبَ منكَ مسحةَ الغفرانِ قبلَ أن أرحلَ عن هذهِ الدّنيا الآثِمةِ الّتي لم تورثْني إلاّ الدموعَ والآهاتِ والعذابَ. اقتربَ أبُ الاعترافِ مِنَ الفتاةِ الماثلةِ أمامَهُ، وراحَ يُربّتُ على كتفِها مُشجِّعًا: لا تَخافي يا ابنتي فكلُّنا خطاةٌ، وكلُّنا بِحاجةٍ لمغفرةِ اللهِ.- هل سيسامحُني اللهُ إن وضعتُ حدًّا لحياتي، فأنا ما عدتُ أقوى على البقاءِ فيها.- طبعًا لا، فروحُكِ وحياتُكِ مُلكً لله.- لقد تناولتُ عددًا هائلاً مِنَ الأدويةِ منذُ ستِّ ساعاتٍ، وأظنُّهُ الموتَ يقتربُ منّي الآنَ.. أرجوكَ يا أبت، اطلبْ من الرّبِّ أن يغفرَ لي.- لا تَخافي، فأنتِ لن تَموتي، وستعيشين.. سأذهبُ معكِ إلى المشفى، لأنّ اللهَ بحاجةٍ إليكِ وأنتِ على قيدِ الحياةِ، فأنتِ من المُرنِّمينَ لهُ.- لكن أنا... وراحتْ تروي لهُ تفاصيلَ ما حدثَ معَها، فهدّأ مِن روعِها، وقبّلَ جبينَها قائلاً: - أنا سأطلبُ سيّارةَ إسعافٍ للدّيرِ، وسأفسّرُ لهم ما حدثَ، فلا تَخْشَيْ، ولن يعرفَ أحدٌ بالقريةِ بِما حصلَ.وقبلَ أن تصِلَ سيّارةُ الإسعافِ بدقائقَ، كانتِ الفتاةُ قد فارقتِ الحياةَ بينَ أحضانِ أبيها الرّوحيِّ.اعتقلتِ الشّرطةُ الكاهنَ، لاسيّما بعدَ أن استمعوا لشهادةِ الشّهودِ الّتي أكّدتْ أنّها لا تكادُ تتركُ الدّير.استجوبوا الكاهنَ، وفضّلَ الصّمتَ والاستسلامَ لمشيئةِ اللهِ، على أن يُشاركَ الشّرطةَ باعترافاتِها، ويُخالفَ قَسَمَهُ يومَ وَهَبَ حياتَهُ للرّبِّ، فيسيءُ إلى ثوبِ كهنوتِهِ.بعدَ سنينَ فارقَ الكاهنُ الحياةَ، وقد وجدوا في مذكّراتِهِ: إنّ مَن قتلَها وحرقَ روحَها هو الذّئبُ، حيثُ كانَ يغتصبُها تَحتَ تَهديدِ السّلاحِ، وأمُّها أجرمتْ بِحقِّها حينَ لم تُصدّقْ ابنتَها رغمَ مصارحتِها بِحقيقةِ زوجِها، إنّما راحتْ تتّهمُها بالكذبِ والفجورِ، وإنّها تُحاولُ سرقتَهُ مِن بينِ أحضانِها..ز.. و.. جُ.. أُ مِّـ ـهـ ـا!

الخميس، 30 يوليو 2009

قصص قصيرة جدا


مفتاحٌ لا يَصدأ*
ماتتْ، نعم، ماتتْ وتوقّفَ قلبُها عنِ النّبضِ في مشفى رامَ الله، وما صدئَ مفتاحُ بيتِها في اللّدِّ، والّذي لازمَها حتّى وهي ترقدُ في فراشِ الموتِ.كانتْ لآخرِ نبضةٍ من نبضاتِها، ولآخرِ نَفَسٍ مِن أنفاسِها، تحلمُ بالعودةِ إلى بيتِها الّذي طُردَتْ منهُ عَنوةً.

لو رُوحان وقَلبانِ وجَسدان!*
نظرتْ إلى وجهِ أمّها حينَ خرجتْ مِن التّحقيقِ الأمنيِّ الجافِّ، فأصابَها الذّعرُ والقلقُ.. كانتْ عيونُها قانيةً حمراءَ، ووجهُها كانَ يَميلُ للاصفرارِ.. حاولتْ أن تبتسمَ ففشلتْ.. استجمعَتْ قواها بعدَ أنْ وجّهتْ ناظريها إلى السّماءِ، وقالت لها بصوتٍ واثقٍ: أنا بِخيرٍ أمّي، فلا تَخافي. شعرتْ بِخفقاتِ قلبِها وهي تضمُّها وتعاتبُها بصوتِها الرّقيقِ الحزينِ، وقالتْ: اقسمي لي أنّكِ لن تشتركي بعدَ اليوم بأيِّ نشاطٍ سياسيٍّ.. أنتِ "بنت".. لو كنتِ شابًّا لاختلفَ الأمر.قاطعَتْها كعادتها: لكنّي بِمليونِ شابٍّ.. أليستْ هذهِ شهادةُ الجميعِ بي، وأنا مؤمنةٌ باللهِ والوطنِ والقدَرِ.وذكّرتْها أنّهُ عليها السّفر مباشرةً إلى ناصرةِ الجليلِ، فقاطعتْها: لكنّكِ بِحاجةٍ للراحةِ، فقد مكثتِ عشرينَ ساعةً في التّحقيقِ دونَ أكلٍ، والله أعلمُ بِما واجهتِهِ مِن تَهديدٍ ووعيدٍ. ضَحكتْ وقالت: لقد تعوّدتُ عليهم.. وقبّلتها مِن جبينِها وودّعتها، واستقلّت سيارةَ أجرةٍ، وتَمّنتْ بينها وبين نفسها، لو أنَّ اللهَ يهبُها روحيْنِ وجسدَيْنِ وقلبيْنِ لتفديَ أمّها والوطنَ.

على اللّوحِ باللغةِ العِبريّة
كانتْ أحداثُ تشرين أول/أكتوبر الأسود سنة (2000) في أوجِها، ومع هذا رأَتْ هيَ أنْ تُواصِلَ تعليمَها في جامعةِ "بار إيلان"، ورغمَ أنّها كانتِ الطّالبةُ العربيّةُ الوحيدةُ في فصْلِها، إلاّ أنّها تفوّقتْ عليهم دومًا، ما جعلَ أحدَ المحاضرينَ يُعجبُ بِها.وذاتَ يومٍ حدثَ نقاشٌ وجدالٌ داخلَ فصْلِها، وعَلَتْ أصواتٌ مطالبةٌ بطردِ الطّلاّبِ العربِ مِن الجامعةِ، ووقفَ أحدُ زملائِها المعروفُ بعملِهِ بصفوفِ المخابراتِ الإسرائيليّةِ وقال:العربيُّ يظلُّ كلبًا، يرشقُنا بالحجارةِ في وادي عارة، والنّاصرة، وأمّ الفحم.. يقيمُ المظاهراتِ التّضامنيّةَ مع الفلسطينيّينَ.. سئمنا العرب.. ألا يكفي أنّنا تركناهم يتعلّمونَ ويعملونَ؟قامَ المحاضرُ بلَجْمِهِ: صه، إنّها ليستْ عربيّةً، بل مسيحيّةً.. هنالكَ فرقٌ كبيرٌ، اعتذروا منها.عندَها وقفتْ وقالت: أنا عربيّةٌ، بل فلسطينيّةٌ، وهذه أرضي ووطني، وأنتم الإرهابيّون. "بار إيلان" كانتْ قريةً عربيّةً قبلَ أن تَحتلّها "حكومةُ إسرائيل"، ومعظمُ أهلِ أمّي اليومَ في رام الله والأردنّ وسوريا؛ طُردوا مِن اللّدّ لتقومَ دولتُكم على أنقاضِ الدّم. حينها قامَ المحاضرُ بطرْدِها مِن الصّفِّ، وطالبَ بِمثولِها أمامَ لجنةِ الطّاعةِ لتعتذرَ لهُ على وقاحتِها أمامَ الفصلِ، فرفضتْ. تَمَّ منعُها مِن دخولِ الجامعةِ لمدّةِ شهرٍ كاملٍ، لكنّها عادتْ بعدَ ذلكَ مرفوعةَ الهامةِ متماسكةً، وكتبتْ لهم على اللّوحِ باللّغةِ العبريّةِ: "السّاكتُ عن الحقِّ شيطانٌ أخرسُ".

الكل يتقيأ الحياة



ضاع الأمل
وانتحر التفاؤل
ودفن الحلم
وانتهى السلم
وكثر الذئاب
وكأنهم ذباب
لا تعرف بدايتهم
ولا حتى نهايتهم
فهم أكثر من الرمل
في زمن الوحل
وفي عصر الأنذال
الكل يتقيأ الحياة
فلا حياة
إنما وجودنا وهم
نعم أكبر وهم
لا أمل في البقاء
لا أمل في النقاء
نحن في زمن الافتراء
زمن ضاع فيه الوفاء
زمن انتشار الخيانات
زمن عبادة العملات
وطعن الصدق والشرف
والتشدق بالفسق وبالقرف
والآن آن لي
أن اعترف
وأعترف وأعترف
أنيا انتهيت نعم انتهيت

ميتة دون كفن دنوت
مقيدة بآلاف القيود واللعنات
روحي تئن وتنحني بانكسار
تسأل باريها بخشوع
أيموت الميت مرتين
أم يعود ويحيا من جديد
وجنود الشر
حطمت جدار إيمانه
ورجاءه وسلامه.

ستذهبينَ إلى بحرِ يافا ..

وقفتْ طويلاً أمامَ المرآةِ وتفحّصتْ ملامِحها عشراتِ المرّاتِ:هل يُعقلُ أن تتغيّرَ ملامِحي بينَ عشيّةٍ وضحاها؟
حاولتْ أن تصرخَ بأعلى صوتها: اُخرُجْ منّي يا ملعون.. لا مكانَ لكَ بِحياتي.
لكنّهُ شيطانُ الاكتئابِ ربطَ وعطّلَ أوتارَ صوتها.حاولتْ أن تعزفَ على نايها القديم الّذي أهملتُهُ سنواتٍ، إلاّ أنّهُ عاقبَها أيضًا، وأبى أن يستجيبَ لها.
شعرتْ بقشعريرةٍ تسري في أنحاءِ جسدها السّجينِ، فها هي تتمكّنُ منها، وترتعدُ كافّةُ عظامها برعشةٍ شديدةٍ هزّتْ معَها كلَّ جزءٍ مِن كيانها.
ردّدَ عقلها الباطنيّ: أنتِ أقوى مِن الاستسلامِ.. أصلبَ مِن الانهيارِ.. لن أسمحَ لكِ بالسّقوطِ في براثنِ الاكتئابِ.رفعتْ قلبها إلى السّماءُ في خشوعٍ تتضرّعُ: إذا أنتَ يا ربُّ معي، فمَنْ يكونُ عليَّ؟ أشِدَّةٌ، أم ضيقٌ أم اكتئابٌ؟بدأت القيودُ تتفكّكُ.. لا تدري كيفَ.. بلمحةِ بصرٍ انتقلتْ مِن قبضةِ الاكتئابِ إلى سلطانِ الأملِ والرّجاءِ، سَمعتْهُ يَحثُّها:اِبكي في حضرةِ اللهِ، لأنّ الدّموعَ قوّةٌ، وتَحريرٌ، والآنَ سأتركُكِ للجمهورِ يا عزيزتي.قالت: لكنّي متعبةٌ...
أمسكَ بيدها، وقال: الجمهورُ، وحبُّ النّاسِ رصيدُك بالحياةِ.. اُتركي حزنَكِ الآنَ، وبعدَ العَرضِ ستذهبين إلى بَحرِ يافا،

وستصرُخين: اُخرجْ ..اُخرُجْ يا ملعون.. ستغرقينه في البحرِ.. لن يُقاسِمَكِ الفراشَ والمأكلَ والمشربَ أو أيَّ شيءٍ. أسدلَ السّتارَ، وعادتْ تبتسمُ من كلِّ قلبها

حادثـةٌ

لا تدري ماذا حدث. كلُّ جزءٍ بها انتفضَ.. صرخَ.. تَحدّى وزنَ جسدها الأشبهَ بوزنِ الفيلِ.. المتعبِ المترهِّلِ الآيلِ للفَناءِ بكلِّ لحظةٍ.
غادرتْها روحها لتبحثَ عن حرّيّتِها.. أرادتْ جسدًا محصّنًا.. قويًّا.. مرِنًا.. مَمشوقًا.. أكثرَ شبابًا ونضارةً ورونقًا. لَم تحاولْ منْعَها، ولن تتربّصَ بها أو تسجنَها، فللرّوح كاملُ الحريّةِ في اختيارِ الجسدِ الّذي يُناسبُها، لاسيّما أنّها (هي) شاختْ قبلَ أوانها. عجيبٌ أمرها! سئمتْ من نفسها، ومِن شكلها، ووزنها.. كانت تائهةً، ومُمزّقةً، ومذبوحةً، ومشتّتةً، لدرجة أن أصبحتْ لدموعها طعمُ "الشّوكولا"، و"الجاتوه"، و"الستيك". ازدادَ في وزنِهِ، واستشرى في تضخّمِهِ، وهي لا لها، ولا عليها. كرهتْهُ، تنكّرتْ لهُ، انتقمتْ منهُ. ألَمْ يَخذلْني؟ ألَمْ يتخَلَّ عنّي؟ أما سمحَ للذّئابِ أن تشوِّهَهُ.. تُذلَّهُ.. تُدميهِ؟ كانَ مُستسلمًا بعدَ أن خدّروهُ، وعندما انتهى مفعولُ المخدّرِ، اكتشفتْ أنّها لَم تعُدْ تلكَ الطّفلةَ الصّغيرةَ البريئةَ. كانوا يرقصونَ حولها بحلقاتٍ شيطانيّةٍ. عرفتْ مِن يومِها معنى الألمِ.. فهمتْ كيفَ يُدنّسُ الحبُّ.. أدركتْ كيفَ ألبسوهُ ثوبَ الدّعارةِ!